تربط دراسة نشرتها مجلة Dreaming بين الأحلام المزعجة في فترات الضغط وضغوط الحياة اليومية. يقول الباحث جوناس ماثيس (Jonas Mathes)، عالم النفس الذي قاد الدراسة، إن من يعيشون ضغطًا نهاريًا مرتفعًا أكثر عرضة لمشاعر سلبية أثناء النوم، وإن طرق التعامل مع الضغط لم تغيّر هذا الأثر. في هذا المقال نشرح ما وجدته الدراسة، وما حدودها، وما الذي يمكنك فعله إذا تكررت الأحلام المزعجة في أيامك الصعبة.

تتناول الدراسة الصلة بين الضغط النهاري والمشاعر التي يعيشها الحالم، ولا تقدّم تفسيرًا لرموز الأحلام أو معانيها. ولمن يسأل عن الجانب الشرعي لتعبير الرؤيا، لدينا مقال مستقل عن حكم تفسير الأحلام شرعًا ومن يحق له ذلك.

ماذا وجدت الدراسة عن الأحلام المزعجة في فترات الضغط؟

بحسب PsyPost، فإن ارتفاع الضغط النهاري يرتبط بزيادة احتمال المشاعر السلبية أثناء الحلم. وتنقل موقع baku.ws النتيجة نفسها تقريبًا، مع تفاصيل إضافية عن العينة والاستبيان.

النقطة الأهم أن الباحثين اختبروا أساليب التعامل مع التوتر، سواء كانت تكيفية مثل التفكير الإيجابي والدعم الاجتماعي، أو غير تكيفية مثل اللجوء إلى الكحول والتدخين. ولم يجد الباحثون أن أيًا من هذه الأساليب يغيّر الأثر الليلي للضغط في هذه العينة. أي أن من يحسن إدارة توتره نهارًا قد يرى أحلامًا مزعجة ليلًا إذا كان الضغط مرتفعًا.

وتحتاج هذه النتيجة إلى قراءة دقيقة. فهي لا تقول إن التعامل مع الضغط بلا فائدة، ولا إن الأحلام المزعجة قدر لا مفر منه. هي تقول إن الأثر الليلي للضغط ظهر بوضوح في الدراسة، وإن الأسلوب الذي اتبعه الناس نهارًا لم يخفف هذا الأثر في العينة المدروسة.

كيف قاس الباحثون الأحلام والضغوط؟

وفق ما نقله موقع baku.ws، شملت الدراسة 65 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 17 و61 عامًا، ومعظمهم من الطالبات الجامعيات. اعتمد الباحثون على ثلاث أدوات أساسية:

  • استبيان يقيس الضغوط في مجالات مثل المال وضغط العمل أو الدراسة والصحة.
  • تسجيل لأنماط تعامل المشاركين مع الضغط، سواء كانت تكيفية أو غير تكيفية.
  • تسجيل يومي للأحلام لمدة 14 يومًا متتالية، مع تقييم شدة المشاعر الإيجابية والسلبية على مقياس من 0 إلى 3، وتحديد مشاعر مثل الخوف والحزن والغضب والفرح والمفاجأة.

ميزة التسجيل اليومي أنه لا يعتمد على تذكّر الحلم بعد مدة طويلة، فتفاصيل الحلم تتغير بسرعة بعد الاستيقاظ. لذلك يعطي التقييم اليومي صورة أقرب إلى ما عاشه المشارك ليلة بعد ليلة.

لماذا يرتبط الضغط بالأحلام؟ فرضية الإتقان

تشرح الدراسة فرضية تُعرف بفرضية الإتقان (Mastery Hypothesis). تقول هذه الفرضية إن الأحلام قد تساعد الدماغ على معالجة الأحداث الصعبة في بيئة آمنة، عبر محاكاة مواقف مجهدة، وتدريب الشخص على التنظيم الانفعالي وحل المشكلات.

لنأخذ مثالًا توضيحيًا: طالب يستعد لاختبار صعب قد يحلم بأنه يتأخر عن قاعة الامتحان أو ينسى إجابة سؤال يعرفه. وفق هذه الفرضية، قد يكون الحلم محاولة من الدماغ للتعامل مع الخوف في صورة مصغرة. لكن هذا تفسير محتمل يحاول شرح الصلة بين الضغط والحلم، وليس نتيجة مثبتة تقول إن كل حلم مزعج له فائدة.

الدراسة ليست الأولى: ماذا تقول دراسة كاتانيا؟

لا تعمل هذه الدراسة في فراغ. فقد نشر باحثون من جامعة كاتانيا في مجلة BMC Psychology دراسة شملت 389 بالغًا إيطاليًا، ووجدت أن القلق والاكتئاب يرتبطان بأحلام أكثر سلبية (PsyPost). وقد تناولنا هذه الدراسة في مقال منفصل: الأحلام السلبية وعلاقتها بالقلق: ماذا تقول دراسة جامعة كاتانيا؟

تلتقي الدراستان في الفكرة الأساسية: الضغط النفسي والقلق يرتبطان بأحلام أكثر سلبية. لكن بينهما فرقًا مهمًا. ركزت دراسة كاتانيا على القلق والاكتئاب، بينما ركزت دراسة Mathes على ضغوط الحياة اليومية وأساليب التعامل معها. لذلك لا يصح عرض دراسة Mathes كأنها الأولى في هذا الموضوع، بل هي إضافة تسلّط الضوء على دور أساليب التعامل مع التوتر نهارًا.

حدود الدراسة: ماذا لا تثبته النتائج؟

قبل أن تبني قراراتك على هذه النتائج، انتبه إلى ثلاثة أمور.

أولًا، حجم العينة صغير، وغالبية المشاركين من الطالبات. لذلك لا يمكن تعميم النتائج تلقائيًا على كل المجتمعات، ومنها المجتمعات العربية والخليجية.

ثانيًا، ما نعرفه عن الدراسة مصدره تقارير صحفية وعلمية نشرت عنها، ولم نطّلع على الورقة البحثية الأصلية. كما تختلف هذه التقارير في بعض التفاصيل، فبعضها يذكر المال وضغط العمل أو الدراسة والصحة، وبعضها يركز على المال والعلاقات، وتختلف في تحديد المؤسسة الأكاديمية التي ينتمي إليها الباحث. لذلك يُفضل الرجوع إلى الورقة الأصلية قبل الاستشهاد بتفاصيلها.

ثالثًا، الارتباط لا يعني دائمًا وجود سبب ونتيجة مباشرة. وتذكر مجلة APA Monitor أن الكوابيس ترتبط بالقلق والضغوط، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، ولا يمكن تشخيص القلق أو الاكتئاب من محتوى الحلم وحده. وفي السياق نفسه، تشير المجلة إلى أن دراسة بريطانية قديمة قدّرت أن نحو شخص من كل 20 يعاني كوابيس أسبوعية.

خطوات عملية إذا تكررت الأحلام المزعجة

لا توجد إجراءات رسمية محددة مرتبطة بهذا الموضوع، لكن مادة من اليوم السابع تذكر خطوات بسيطة يمكن تجربتها بنفسك:

دفتر وقلم على طاولة بجانب السرير في غرفة هادئة، لتدوين الحلم فور الاستيقاظ
تدوين الحلم فور الاستيقاظ من أسهل الخطوات التي يمكن تجربتها.
  1. دوّن الحلم فور الاستيقاظ، ولو في سطور قليلة. فالتدوين يساعدك على فهم رسائل الحلم وملاحظة ما يتكرر فيه.
  2. استرخِ قبل النوم بالتنفس العميق، وابتعد عن الأخبار المقلقة قبل أن تنام.
  3. إذا تكررت الكوابيس، جرّب إعادة تخيّل نهاية الحلم بشكل إيجابي.

وتنبّه مراجعة UpToDate إلى أن النوم الجيد وتنظيم بيئة النوم من التدخلات منخفضة التكلفة ومنخفضة المخاطر، مع ملاحظة أن عادات النوم لم تُدرس وحدها لدى مرضى اضطراب الكوابيس. أي أن هذه الخطوات مفيدة لتحسين نومك عمومًا، لكنها لا تغني عن التقييم الطبي إذا استمرت الأحلام.

وإذا استيقظت من رؤيا مزعجة وتريد معرفة ما يُستحب فعله شرعًا، فاطّلع على ماذا أفعل بعد رؤيا مزعجة في المنام؟ الآداب الشرعية خطوة بخطوة.

متى تستشير طبيبًا بشأن الأحلام المزعجة؟

بحسب اليوم السابع، إذا تكررت الأحلام المزعجة وأثرت في نومك وحياتك اليومية، فاستشر طبيبًا مختصًا، لأنها قد تكون مؤشرًا على اضطراب في النوم أو مشكلة نفسية. ومن صور التأثير التي تستحق المراجعة أن تستيقظ مرارًا بسبب الحلم نفسه، أو أن تتجنب النوم خوفًا مما قد تراه، أو أن تشعر بالإرهاق والضيق طوال النهار.

ولمعرفة الفرق بين الكوابيس العابرة وتلك التي تحتاج إلى تقييم، اقرأ مقالنا عن الكوابيس المتكررة: متى تكون عابرة ومتى تستدعي زيارة الطبيب؟

ابدأ هذا الأسبوع بتدوين أحلامك لمدة أسبوعين، على غرار ما فعله المشاركون في الدراسة. ستلاحظ بنفسك إن كانت أحلامك المزعجة تزداد في أيام الضغط أم لا، وإن احتجت إلى الطبيب فستحمل إليه صورة واضحة بدلًا من الوصف من الذاكرة.