يسأل كثيرون بعد ليلة مليئة بالأحلام الواضحة: لماذا أشعر بالتعب بعد الحلم؟ الجواب المختصر أن العلم لم يحسم السبب بعد، لكن دراسة حديثة من جامعة توهوكو اليابانية كشفت تفاصيل مهمة عن طاقة الدماغ أثناء نوم حركة العين السريعة (REM)، وهي المرحلة المرتبطة عادةً بالأحلام الأكثر وضوحًا. الدراسة أُجريت على فئران لا على بشر، لذلك تحتاج نتائجها إلى قراءة حذرة.

في هذا المقال نشرح ما قاسه الباحثون، وما وجدوه، وما الذي لا تستطيع الدراسة إثباته. ثم نقدّم خطوات عملية لمن يستيقظ متعبًا بانتظام، ونوضح متى يصبح استشارة الطبيب ضرورية.

ماذا قاس الباحثون في دماغ الفئران؟

راقب الفريق فئرانًا أثناء نومها الطبيعي، باستخدام تصوير بالفلورية يمر عبر الجمجمة دون إزالتها. بهذه الطريقة تابعوا ثلاثة مؤشرات في الوقت نفسه: حجم تدفق الدم داخل الدماغ، ومستوى جزيء البيروفيت (Pyruvate) في الخلايا النجمية (Astrocytes)، ومستوى جزيء ATP في الخلايا العصبية.

جهاز تصوير في مختبر أعصاب يُستخدم لمراقبة تدفق الدم والنشاط في الدماغ أثناء النوم
أدوات التصوير في مختبرات أبحاث النوم، والدراسة الحالية أُجريت على فئران، لذلك تُقرأ نتائجها بحذر عند تطبيقها على الإنسان

جزيء ATP هو عملة الطاقة الأساسية داخل الخلية، وتعتمد الخلايا العصبية عليه في عملها اليومي. أما الخلايا النجمية فهي خلايا داعمة تساعد في تزويد الخلايا العصبية بما تحتاجه من مواد.

ضمّ الفريق البروفيسور كو ماتسوي (Ko Matsui) من جامعة توهوكو، وكان يوسوكي تاكاهاشي (Yusuke Takahashi) المؤلف الأول للدراسة. نُشرت النتائج في مجلة Communications Biology بمعرّف DOI هو 10.1038/s42003-026-10646-6. وأصدرت الجامعة بيانًا صحفيًا عن الدراسة، وظهرت تغطيات لها في مواقع علمية متعددة بين أواخر يوليو وأواخر سبتمبر 2026.

نوم حركة العين السريعة: المرحلة المرتبطة بالأحلام الواضحة

يُسمّى هذا الطور نوم حركة العين السريعة (REM) لأن العينين تتحركان بسرعة تحت الجفون المغلقة. وفي هذه المرحلة يكون الدماغ نشطًا، بينما يكون الجسم مسترخيًا إلى حد كبير، ولهذا يصفه بعض العلماء بعبارة «النوم المتناقض».

يرتبط نوم REM بالأحلام الأكثر حيوية ووضوحًا. وتربطه أبحاث أخرى بمعالجة الذاكرة وتنظيم المشاعر، لكن وظائفه الدقيقة ما تزال موضع نقاش بين العلماء. لذلك يساعدنا فهم ما يحدث فيه بيولوجيًا على تفسير جزء من التجربة، دون أن يغني عن غيره من الفهم.

ومن المهم أن نفرّق بين الحديث العلمي عن الدماغ وبين تفسير الرؤيا. فالدراسة تصف نشاطًا بيولوجيًا، ولا تقدم معنى لرمز في الحلم، ولا تحكم على الرؤيا بأنها خير أو شر.

ماذا حدث للدم والوقود قبل REM وأثناءه؟

من أهم نتائج الدراسة أن حجم تدفق الدم في الدماغ بدأ يرتفع قبل بدء نوم REM بنحو 50 ثانية، مقارنةً بالبداية التقليدية المعرّفة لهذه المرحلة. أي أن الدماغ يبدأ تغيرًا في التروية قبل أن تظهر علامات المرحلة وفق المعايير المعتادة.

وبعد بدء المرحلة ارتفع مستوى البيروفيت في الخلايا النجمية، وهو ما يتفق مع توافر أكبر للوقود أو مع نشاط أعلى في تفكيك الغلوكوز داخل هذه الخلايا. ويوضح الجدول التالي المؤشرات الثلاثة وما يمكن استنتاجه منها بحذر:

المؤشر ما لاحظه الباحثون ما يعنيه بحذر
حجم تدفق الدم في الدماغ بدأ يرتفع قبل بدء REM بنحو 50 ثانية تغيّر في التروية، وليس دليلًا على سبب التعب
البيروفيت في الخلايا النجمية ارتفع بعد بدء REM وفرة أكبر للوقود أو نشاط أعلى في تفكيك الغلوكوز
ATP في الخلايا العصبية انخفض رغم زيادة إشارات الوقود لا يعني بالضرورة حرمان الخلايا من الطاقة

لماذا ينخفض ATP رغم زيادة إشارات الوقود؟

هنا تظهر المفارقة التي لفتت انتباه الباحثين. فبينما يرتفع مؤشر الوقود في الخلايا النجمية، ينخفض ATP في الخلايا العصبية، وهو الجزيء الذي تستخدمه هذه الخلايا مباشرة لتشغيل نشاطها.

لكن الانخفاض لا يعني بالضرورة أن الخلايا العصبية تعاني نقصًا في الطاقة. فمستوى ATP يعكس التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، فإذا زاد الاستهلاك مع بقاء الإنتاج ثابتًا انخفض المستوى دون أن تُحرم الخلية من الوقود. والدراسة لم تحدد السبب الدقيق لهذا الانخفاض، وهو من الأسئلة المفتوحة التي تحتاج تجارب إضافية.

لماذا أشعر بالتعب بعد الحلم؟ ما الذي تثبته الدراسة وما الذي لا تثبته

الإجابة الصادقة هنا أن الدراسة لا تثبت أن الأحلام تسبب التعب لدى الإنسان. فهي أُجريت على الفئران، ونتائج الحيوانات لا تنتقل تلقائيًا إلى البشر دون تجارب مماثلة عليهم.

وقد ذكر الفريق، بحسب التغطيات الصحفية، أن فكرة ربط استنزاف الطاقة أثناء REM بالشعور بالإرهاق بعد الحلم ما تزال افتراضية. وفي نسخة معادة النشر من بيان الجامعة، ورد سؤال تنسبه المادة الصحفية إلى البروفيسور كو ماتسوي: «Ever felt exhausted after a vivid dream?» أي: هل شعرت يومًا بالإنهاك بعد حلم واضح؟ هذا السؤال يعكس الفضول الذي دفع الفكرة، لكنه ليس نتيجة علمية، ويُفضّل الرجوع إلى صفحة الجامعة الأصلية للتأكد من صيغته.

إذن ما الذي يمكن قوله بثقة؟ يمكن القول إن الدماغ يشهد تغيرات منظمة في الدم والوقود أثناء نوم REM، وإن جزءًا من هذه التغيرات لا يزال غامضًا. أما الربط بين هذه التغيرات وشعورك بالتعب صباحًا فيبقى فرضية تحتاج إلى أبحاث على البشر. وهناك عوامل أخرى معروفة، مثل تقطع النوم والسهر وتناول المنبهات في وقت متأخر، قد تفسر الإرهاق الصباحي دون أي علاقة بالأحلام.

عناوين متداولة عن الكوابيس وتقصير العمر لا تخص هذه الدراسة

قد تصادف هذه الأيام عناوين تربط الكوابيس بتقصير العمر أو بزيادة خطر الوفاة المبكرة. أحد هذه العناوين يعود إلى دراسة نُشرت في 2025 وعُرضت في مؤتمر EAN الأوروبي في العام نفسه، وقد أعادت بعض المواقع نشرها مؤخرًا كأنها خبر جديد. وقد تناولت تقارير من موقع TODAY الموضوع، ويمكنك قراءة أحدها هنا.

الخلاصة العملية أنه إذا وصلك عنوان مثير عن الكوابيس، فتحقق من تاريخ الدراسة ونوعها، وهل أُجريت على بشر أم على حيوانات، ثم قارن العنوان بما يقوله الباحثون أنفسهم. هذه الخطوة البسيطة تمنعك من بناء قلق على خبر قديم أو مبالغ فيه.

ماذا تفعل إذا استيقظت متعبًا بعد أحلام واضحة؟

لا توجد خطوة واحدة تحسم سبب الإرهاق، لكن الإجراءات التالية تساعد غالبًا على تحسين جودة النوم، وهي متوافقة مع النصائح العامة لصحة النوم:

  1. ثبّت موعد النوم والاستيقاظ قدر الإمكان، حتى في العطلات، فانتظام الساعة الداخلية يقلل الاستيقاظ المتقطع.
  2. تجنّب الكافيين في ساعات المساء المتأخرة، وانتبه إلى الشاي والقهوة والمشروبات الغازية. تفصيل ذلك في مقال هل يسبب الأكل قبل النوم والكافيين الكوابيس؟ ما تقوله الدراسات الحديثة.
  3. تجنّب الوجبات الثقيلة قرب موعد النوم، لأنها قد تعطّل النوم لدى بعض الناس.
  4. دوّن في دفتر صغير عدد ساعات نومك، وما تناولته مساءً، ووقت شعورك بالإرهاق، خلال أسبوعين. هذا السجل يكشف نمطًا أوضح من الانطباع العام.
  5. إذا تكررت الأحلام المزعجة حتى أثّرت في نومك، فراجع طبيبًا. ويمكنك قراءة الفرق بين الكوابيس العابرة والمتكررة في مقال الكوابيس المتكررة: متى تكون عابرة ومتى تستدعي زيارة الطبيب؟.

إذا استيقظت من رؤيا مزعجة، فهناك آداب شرعية وعملية يذكرها أهل العلم، وقد فصّلناها في مقال ماذا أفعل بعد رؤيا مزعجة في المنام؟ الآداب الشرعية خطوة بخطوة.

أما إذا استمر الإرهاق رغم انتظام النوم، أو صاحبه نعاس شديد في النهار يعيق عملك أو دراستك، فالأفضل استشارة طبيب لتقييم الحالة، فليس كل إرهاق صباحي سببه الأحلام.

تبقى الخطوة الأهم بعد هذه الدراسة متابعة الأبحاث التي تختبر نتائجها على البشر، وتحاول تفسير انخفاض ATP في الخلايا العصبية. ومن المتوقع أن تحدد الدراسات اللاحقة ما إذا كانت هذه التغيرات تفسر الإرهاق فعلًا، أم أن السبب يقع في عوامل أخرى. إلى ذلك الحين، الأسلوب الأذكى أن تراقب نومك بنفسك، وألا تبني تفسيرًا قاطعًا لشعورك على نتيجة تجريبية أُجريت على الفئران.