تكررت في الأسابيع الأخيرة مشاركات واسعة لدراسة تربط الكوابيس المتكررة بارتفاع خطر الوفاة المبكرة وبتسارع الشيخوخة البيولوجية، مع أن الدراسة عُرضت أول مرة في يونيو 2025. الخلاصة الأهم: وجدت الدراسة ارتباطًا واضحًا بين تكرار الكوابيس وهذين الخطرين، لكنها لم تثبت أن الكوابيس هي السبب. إذا كنت تستيقظ من كوابيس أسبوعيًا، فالأمر يستحق الانتباه والمتابعة، من دون قلق مبالغ فيه.
عُرضت النتائج في مؤتمر الأكاديمية الأوروبية لطب الأعصاب (EAN) في هلسنكي يوم 23 يونيو 2025. وقادها الدكتور أبيديمي أوتايكو من معهد الأبحاث البريطاني للخرف وكلية إمبريال في لندن، ونشرت كلية إمبريال بيانًا صحفيًا عنها. وأعادت وسائل إعلام نشر الدراسة في سبتمبر 2026، ومنها تغطية موقع The Digger News يوم 23 سبتمبر، لذلك تبدو الدراسة قديمة زمنيًا لكنها ما زالت تثير اهتمام القراء.
ماذا وجدت الدراسة عن الكوابيس المتكررة؟
ربط الفريق الكوابيس المتكررة بتسارع الشيخوخة البيولوجية، وبخطر وفاة مبكرة أعلى بأكثر من ثلاث مرات في الصياغة الصحفية. وإذا قسّمنا النتائج حسب التكرار، تظهر الصورة بوضوح أكبر:
- من يرون كوابيس أسبوعيًا: كان خطر وفاتهم المبكرة أعلى بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بمن لم يروا كوابيس أبدًا.
- من يرون كوابيس شهريًا: ارتبطوا أيضًا بشيخوخة أسرع وخطر وفاة أعلى مقارنة بمن يندر عندهم الكابوس أو لا يحدث أبدًا.
- الكوابيس الأسبوعية كانت مؤشرًا أقوى على الوفاة المبكرة من التدخين والسمنة وسوء التغذية وقلة النشاط البدني، وفق تغطية PR Newswire.
وقال الباحثون إن الارتباط ظهر عبر الأعمار والجنسين والأعراق وحالات الصحة النفسية المختلفة.
أرقام الدراسة: ماذا تعني نسبة 2.73؟
الرقم الأكثر تحديدًا هو نسبة الخطر المعدّلة (Hazard Ratio) التي بلغت 2.73 لمن يروون كوابيس أسبوعيًا مقارنة بمن لا يروونها أبدًا، مع دلالة إحصائية عالية (p<0.001). تقارن هذه النسبة معدل الخطر بين المجموعتين خلال فترة المتابعة بعد ضبط عوامل أخرى، ومعناها أن الخطر المقدّر للمجموعة الأولى أعلى بنحو 2.7 ضعف.
لذلك يقرّب الإعلام الرقم إلى "ثلاثة أضعاف". هذا التقريب مفهوم في العناوين، لكنه يخفي أن النسبة تصف ارتباطًا إحصائيًا داخل مجموعة من الناس. فهذه النسبة لا تعني أن كل من يرى كوابيس سيموت مبكرًا، بل أن المجموعة ككل أظهرت خطرًا أعلى.
لماذا قد ترتبط الكوابيس بالشيخوخة؟
يقترح الباحثون آلية تبدأ بالتوتر. فالكابوس قد يطلق استجابة «القتال أو الهروب» في الجسم، وارتفاع الكورتيزول لفترات طويلة مرتبط بتسارع الشيخوخة على مستوى الخلايا، كما ورد في تغطية HealthDay.

الآلية الثانية تتعلق بالنوم. فالكوابيس المتكررة تقطع النوم وتقلّل مدته وجودته، وهذا يعيق في رأي الباحثين عمليات الإصلاح الخلوي التي تجري أثناء الليل. وقال أوتايكو في بيان كلية إمبريال: «أدمغتنا النائمة لا تستطيع التمييز بين الأحلام والواقع»، وهذا قد يفسّر جزئيًا لماذا يبقى أثر الكابوس في الجسد بعد الاستيقاظ.
تبقى هذه التفاصيل فرضية إلى أن تتوفر الورقة البحثية الكاملة، لأن الأخبار الصحفية وحدها لا تكفي لتأكيد تفاصيل الآلية.
ماذا لا تثبته الدراسة؟
أهم حدود الدراسة أنها رصدية. فالباحثون راقبوا تكرار الكوابيس ولم يغيّروه بالتجربة، لذلك تُظهر النتائج ارتباطًا ولا تثبت السببية. وقد تكون وراء الكوابيس المتكررة عوامل أخرى، كالقلق أو الضغط أو اضطرابات النوم، تؤثر في الصحة بذاتها.
هناك أيضًا تفاصيل تختلف بين الروايات المنشورة. تذكر مراجعة نشرتها European Medical Journal أن الدراسة شملت 4,196 بالغًا من أربع مجموعات أمريكية، مع 227 حالة وفاة مبكرة ومتابعة تصل إلى 18 عامًا. في المقابل، تتحدث تغطيات أخرى عن 183,012 بالغًا بين 26 و86 عامًا، و2,429 طفلًا بين 8 و10 أعوام، من ست مجموعات، مع متابعة تصل إلى 19 عامًا.
كما تعرّف إحدى الروايات الوفاة المبكرة بأنها الوفاة قبل سن 75، بينما يستخدم تقرير آخر سن 70. وتقدّر المراجعة الأوروبية أن تسارع الشيخوخة البيولوجية يفسّر نحو 39% من الارتباط بالوفاة المبكرة، بينما يذكر تقرير آخر نحو 40%.
لذلك لا يُعتمد على رقم واحد من هذه الأرقام قبل مراجعة الورقة الكاملة أو ملخص المؤتمر الرسمي. حتى كتابة هذا المقال لم نتحقق من نشر نسخة كاملة في مجلة علمية محكّمة، والمصادر المتاحة بيانات مؤتمر وتقارير صحفية، لذلك قد تتغير التفاصيل عند النشر الكامل.
هل الكوابيس المتكررة علامة تحذير تستحق الانتباه؟
ترى الدراسة أن الكوابيس المتكررة قد تكون إشارة تستحق الانتباه، لا حكمًا نهائيًا. وربطت أبحاث سابقة الكوابيس بالقلق والاكتئاب، وبالأفكار الانتحارية في بعض الدراسات، وفق ما لخّصه موقع PsyPost. إذا ظهرت لديك أفكار لإيذاء نفسك، فتواصل فورًا مع طبيب أو جهة طوارئ في بلدك، ولا تنتظر أن تتحسن الأمور وحدها.
في الاتجاه المعاكس، وجدت دراسة نُشرت في Journal of Sleep Research أن اضطراب النوم يسبق الكوابيس عادة، ولم تجد أن الكوابيس تزيد سوء النوم لاحقًا. أي أن الترتيب الذي تُظهره هذه الدراسة يبدأ من النوم المضطرب ثم يأتي الكابوس. أما ربط الأحلام المزعجة بالخرف لدى كبار السن، كما في دراسة منشورة في PMC، فهو خيط بحثي منفصل يحتاج إلى قراءة حذرة.
وإذا كانت الكوابيس مرتبطة بفترات الضغط عندك، فاطّلع على مقالنا الأحلام المزعجة في فترات الضغط، ومقالنا الأحلام السلبية وعلاقتها بالقلق لفهم الجانب النفسي.
خطوات عملية إذا تكررت الكوابيس عندك
لم نجد في هذا البحث إجراءً رسميًا من وزارة الصحة السعودية أو منظمة الصحة العالمية خاصًا بهذا الموضوع. لكن الباحثين أشاروا إلى خيارات عملية، وهي:
- العلاجات النفسية مع مختص، خصوصًا إذا كانت الكوابيس تتكرر أو تؤثر في نومك وعملك.
- تحسين عادات النوم: مواعيد نوم ثابتة قدر الإمكان، وتقليل الشاشات قبل النوم، وتهيئة غرفة هادئة ومظلمة.
- معالجة القلق الكامن إن وُجد، فقد ربطته الأبحاث بالكوابيس.
وقال أوتايكو: «الخبر الجيد أن الكوابيس يمكن الوقاية منها وعلاجها».
ابدأ بتسجيل ليلتين أو ثلاث: متى حدث الكابوس، وما الذي جرى في اليوم السابق، وكم ساعة نمت. هذا السجل يختصر على طبيبك أو مختصك وقتًا طويلًا في فهم الصورة. وللتمييز بين الكابوس العابر وما يستدعي زيارة الطبيب، راجع مقالنا الكوابيس المتكررة: متى تكون عابرة ومتى تستدعي زيارة الطبيب؟. ولا تغني هذه الخطوات عن التقييم الطبي إذا استمرت الكوابيس أو تفاقمت.
الخطوة التالية المفيدة أن تتابع نشر الورقة الكاملة للدراسة، وأن تراقب نومك بهدوء بدل أن تفسّر كل كابوس على أنه إنذار. الكوابيس المتكررة ليست حكمًا على عمرك، لكنها إشارة يمكن التعامل معها مبكرًا.







