تتحدث التقارير عن رؤى المحتضر قبل الموت، وأكثرها شيوعًا أن يلتقي المريض أقاربه المتوفين أو حيواناته الأليفة التي فقدها، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن دراسة إيطالية في الرعاية التلطيفية. غير أن هذه الدراسة لا تثبت أن تلك الرؤى زيارات حقيقية من الموتى، ولا أنها دليل على ما يحدث للروح بعد الوفاة.

انتشر الخبر مجددًا بين 4 و6 نوفمبر 2026 في وسائل عدة، منها Vice وBrit Brief وصحيفة الجديد. وبعض هذه التغطيات قدّم النتائج على أنها إثبات لحياة بعد الموت، وهذا استنتاج لا تدعمه الأبحاث المتاحة. وقد أوضحت الجزيرة نت أن الدراسة نُشرت في أواخر مارس 2026، أي أن ما يتداوله الإعلام الآن هو إعادة تدوير لبحث أقدم، لا نتيجة جديدة.

رؤى المحتضر قبل الموت: ماذا تقول الدراسة الإيطالية؟

نُشرت الدراسة في مجلة Death Studies، وتناولت تجارب الرؤى والأحلام قرب نهاية الحياة. لكنها لم تسجّل رؤى المرضى مباشرة، وإنما استطلعت آراء 239 من المختصين في الرعاية التلطيفية في إيطاليا، من أطباء وممرضين وأخصائيين نفسيين ومتطوعين في دور الرعاية، عمّا سمعوه أو لاحظوه من مرضاهم.

وهذا فرق جوهري. فالدراسة تصف ما يلاحظه المحيطون بالمريض، لا ما يعيشه كل مريض بتفاصيله. وتنقل تقارير، منها الوطن وBrit Brief، أن الباحثة إليزا رابيتي، قائدة الدراسة، ترى أن هذه التجارب تفتقر إلى فهم ثقافي وسريري واضح رغم تكرارها.

هل يرى المحتضر أحباءه الراحلين قبل الموت؟

تفيد التقارير بأن لقاء أقارب متوفين أو حيوانات أليفة فقدها المريض هو الأكثر شيوعًا، كما نقلت RT Arabic. ومن الروايات التي نقلتها Vice أن امرأة رأت زوجها الراحل يخاطبها بقوله: «I'm waiting for you»، أي «أنا في انتظارك». وتتكرر صور أخرى في الروايات، مثل الضوء الأبيض والسلالم والأبواب المفتوحة، ووصف أحد المرضى حصانًا أبيض يعدو على شاطئ.

نافذة خشبية تقليدية وضوء صباحي على بطانية مطوية وكوب ماء في غرفة هادئة
أجواء هادئة تناسب التأمل في الأسئلة التي يطرحها الناس عن نهاية الحياة.

وتشير تغطيات أخرى، منها تواصل نيوز، إلى أن الدراسة لا تُظهر أن هذه الرؤى زيارات حقيقية من الأموات. فالمعنى الذي يمنحه الإنسان لما رآه يختلف من شخص لآخر، وتتأثر قراءته بخلفيته الدينية والثقافية، لذلك أدق ما نفعله أن نصف ما رُوي دون أن نجزم بمعناه. ولمن يبحث عن معنى رؤية الموت نفسه في المنام، فله مقال مستقل: تفسير حلم الموت في المنام.

نسب الانتشار: لماذا تتفاوت الأرقام بين 50% و90%؟

الأرقام المتداولة تبدو متناقضة، لكنها تقيس أشياء مختلفة وتعتمد على مناهج مختلفة. وهذا ما يظهر في الجدول التالي:

التقدير المصدر المنقول ما يلزم معرفته
50 إلى 60% ملخص لأدبيات الرعاية التلطيفية، أشارت إليه مقالة في Frontiers تقدير متحفظ يخص المرضى الواعين في الأيام أو الأسابيع التي تسبق الوفاة
نحو 77% مراجعة منهجية نُشرت عام 2026 في Journal of Loss and Trauma، بحسب Creative Loafing شملت 13 دراسة عالية أو متوسطة الجودة، وقدّرت هذه النسبة لدى المرضى في الدراسات الصالحة للتحليل
نحو 90% أبحاث كريستوفر كير المعتمدة على المقابلات، بحسب CBC رقم متداول على نطاق واسع، لكنه محل جدل ولا يصلح تعميمًا على كل المحتضرين

أي أن الرقم المرتفع المتداول لا يعني أن كل محتضر سيرى شيئًا مشابهًا، ولا أن الأرقام كلها تقيس الشيء نفسه. فعند قراءة أي نسبة، اسأل: من الذي سُئل؟ وكيف جُمعت الإجابات؟

الرؤى المطمئنة والمؤلمة: ما الذي يُروى فعلًا؟

تفيد التقارير بأن معظم المرضى شعروا بالهدوء أو الطمأنينة الداخلية مما رأوه، لكن ليست كل الرؤى مريحة. فقد وُصفت نحو واحدة من كل عشر حالات بأنها مؤلمة أو مزعجة، ومنها رواية عن وحش يحمل وجه أم المريض، بحسب ما نقلته الوطن.

هذه النقطة مهمة لأهل المريض. فالتفسير المطمئن الذي يقدّمه البعض لكل رؤية قد لا يناسب كل حالة، والأفضل أن تستمع إلى المريض باهتمام، وأن تُخبر فريق الرعاية إذا بدا عليه الضيق مما يراه.

تفسير الرؤى في الإسلام: الرؤيا الصالحة والحلم

يفرّق العلماء في الإسلام بين الرؤيا الصالحة والحلم المزعج. ومن الأصل في ذلك قول النبي ﷺ في حديث متفق عليه بألفاظ متقاربة: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان». وللقارئ أن يطّلع على شرح أوسع لمعنى الحديث في مقال معنى حديث «الرؤيا جزء من النبوة» وما يعنيه للمسلم.

ويورد الشيخ ابن عثيمين هذا الحديث في فتاواه المنشورة على الألوكة، وترد في أحاديث الباب نفسه آداب للرؤيا المكروهة، منها أن ينفث الإنسان عن يساره ثلاثًا، وأن يستعيذ بالله من شرها، وألا يحدّث بها من يكرهها.

وفي الاتجاه نفسه تحذير من الاعتماد على كتب تفسير الأحلام العامة، ومنها كتاب يُنسب إلى ابن سيرين، لأن الرؤيا تختلف باختلاف الرائي وزمانه ومكانه وظروفه. لذلك لا يصح أن تُقرأ رؤيا المحتضر بقاموس جاهز، ولا أن تُحمَّل بمعانٍ ثابتة. ولا تتناول الدراسات الإيطالية التفسير الديني لهذه الرؤى أصلًا، فهي تصف ما يرويه المرضى والمحيطون بهم وتتوقف عند هذا الحد.

هل تفسر الفرضيات العلمية هذه الرؤى؟

تقترح مراجعة حديثة نُشرت في Frontiers in Psychology لباحث تركي في علم النفس أن هذه التجارب قد تكون محاكاة أخيرة يولّدها الدماغ وهو يحتضر. لكنها فرضية، وليست نتيجة مستقرة، ولا تزال تحتاج إلى أدلة تدعمها.

أما على صعيد الدماغ، فتشير ملخصات علمية، منها FINCHANNEL، إلى أن علماء الأعصاب رصدوا نشاطًا دماغيًا غير معتاد قرب لحظة الوفاة. لكن لا توجد حتى الآن أدلة مباشرة تربط هذا النشاط بأحلام نهاية الحياة، ولا تستطيع الأبحاث المتاحة أن تحدد بثقة هل تنشأ هذه الرؤى من عمليات داخل الدماغ، أم من شيء خارج الفهم العلمي الحالي.

كيف تتعامل مع حديث قريبك المحتضر عن رؤاه؟

إذا روى لك قريبك المحتضر أنه رأى أحبابه أو مكانًا جميلًا، فالأسلم أن تستمع دون أن تصححه أو تسخر منه أو تجزم بتفسير. اسأله بهدوء عما شعر به وعما رآه، واترك له مساحة الكلام. وقد تكون هذه الرؤى مصدر طمأنينة للمحتضر، وهذا ما يتناوله حوار إذاعي من CBC مع كريستوفر كير.

ومن الملاحظات العامة التي تنفع في هذا الموقف:

  • لا تصحّح الرؤيا ولا تدخل في جدال حول صحتها.
  • لا تفرض على المريض تفسيرًا، ولا تطلب منه أن يفسر ما رآه.
  • إذا بدا عليه الخوف أو الضيق، فأخبر فريق الرعاية التلطيفية أو الطبيب المعالج.

وتبقى تفاصيل الرعاية من اختصاص فريق الرعاية التلطيفية، فهم المرجع في احتياجات المريض وأسرته، ولا يغني عنهم أي مقال عن الأبحاث.

ما يستحق المتابعة الآن هو ما إذا كانت ستظهر دراسة متابعة محكّمة تسأل المرضى أنفسهم مباشرة، فلم نجد في المصادر التي راجعناها ما يؤكد صدور مثل هذه المتابعة. وإلى ذلك الحين، يبقى الأنسب أن تُقرأ هذه الرؤى بوصفها شهادات شخصية تستحق الإنصات، لا دليلًا على ما بعد الموت. ولمن يرغب في تسجيل أحلامه الشخصية، فإن مقال تدوين الأحلام فور الاستيقاظ يتناول كيف تتذكر أحلامك قبل أن تختفي.