ماذا تقول دراسة ترينتو عن الحلم الواعي

الحلم الواعي هو أن تدرك وأنت ما زلت نائماً أنك داخل حلم، وقد تستطيع أحياناً تغيير جزء من المشهد دون أن تملك السيطرة الكاملة عليه. في الأيام الأخيرة عاد هذا الموضوع إلى الواجهة، إذ تداولت وسائل إعلام دولية بين نحو 31 أكتوبر و2 نوفمبر 2026 دراسة من جامعة ترينتو الإيطالية. ونُشرت الورقة في دورية Frontiers in Psychology بتاريخ 28 سبتمبر 2026 بعنوان «Virtual reality as a metacognitive training tool for lucid dreaming»، بحسب تغطية ThePrint.

الجديد إذن هو التغطية لا الورقة نفسها، فقد صدرت قبل أكثر من خمسة أسابيع. وقد شرحنا أساسيات الموضوع في مقال الحلم الواعي: كيف تعرف أنك تحلم وهل يمكن التحكم بالحلم؟، لذلك نركز هنا على ما تضيفه هذه الدراسة، وما لا تضيفه بعد.

لماذا يصعب تحفيز الحلم الواعي بفحص الواقع وحده

تعتمد بعض الطرق المعروفة على ما يسمى فحص الواقع (reality check)، وهو أن تتوقف في يقظتك وتسأل نفسك إن كنت نائماً ثم تختبر ذلك بطريقة بسيطة، كأن تنظر إلى ساعة أو تقرأ نصاً مرتين. المشكلة أن الحياة اليومية نادراً ما تبدو حلمية، لذلك لا تنجح فحوص الواقع التقليدية في اليقظة دائماً في تحفيز الحلم الواعي. تحاول دراسة ترينتو معالجة هذه الفجوة تحديداً.

كيف صُمّم البرنامج التدريبي

شملت الدراسة 38 مشاركاً قليلي الخبرة في الحلم الواعي، قُسموا إلى ثلاث مجموعات. خضعت المجموعات لبرنامج أساسي مدته خمسة أسابيع، يتضمن فحوصات يومية وتدوين يوميات للأحلام. أما جوهر التدريب فيتكرر في كل جلسة وفق التسلسل التالي:

  1. يبدأ المشارك بتأمل يهدف إلى زيادة وعيه بما يدور في ذهنه.
  2. يدخل بيئة واقع افتراضي فيها مشاهد غريبة، كأن تخالف الأشياء قوانين الفيزياء أو تتبدل المشاهد فجأة.
  3. عند كل مشهد غريب يقوم بفحص الواقع، فيسأل نفسه إن كان داخل حلم.

سبقت هذه الورقة دراسة مرتبطة بالمشروع نفسه باسم LucidDreamingVR، تتكون من ثماني جلسات مدة كل منها نحو عشرين دقيقة، تسبقها جلسة تأمل قصيرة داخل الواقع الافتراضي. أُجريت تلك الدراسة بين أكتوبر 2024 وأبريل 2025، وفق صفحة المشروع على موقع Centro Studi UBI.

الأرقام كما وردت في الورقة

الأرقام التالية منقولة من تغطية الورقة، ويُفضّل التحقق منها في النص الأصلي قبل الاستشهاد بها.

المجموعة عدد الأحلام الشبيهة بالواعية نسبة من أبلغ عن حلم واعٍ واحد على الأقل
المجموعة التجريبية (تأمل مع واقع افتراضي مرتبط بالحلم) 26 84.6%
مجموعة التدريب المعتاد 11 61.5%
مجموعة واقع افتراضي غير مرتبط بالحلم 4 33.3%

نقلت تغطية Live Science عبر Yahoo أن المجموعة التي جمعت بين التأمل والواقع الافتراضي الحلمي أبلغت عن أحلام واعية بمعدل نحو أربع مرات أعلى من مجموعة تمارس فحص الواقع وحده. أما موقع Inkorr فذكر فارقاً أكبر من ذلك، ولذلك لا يصح الاستشهاد بأي نسبة قبل الرجوع إلى الورقة الأصلية.

ما الذي لا تثبته الدراسة

أول ما ينبغي أن ينتبه إليه القارئ أن العينة صغيرة. أشار تقرير Archyde إلى أن حجم العينة الصغير، وغياب التأمل عن المجموعات الضابطة، يمنعان الباحثين من عزل تأثير كل عامل.

يرى المؤلف المشارك أندريا سيغنوريلي أن الواقع الافتراضي هو المحرك الأساسي للنتيجة، لأن التقنية تخدع الحواس البصرية والسمعية. وفي ترجمتنا لقوله بالإنجليزية «Virtual reality is the technology to fool you on stereoscopic vision and auditory information»: الواقع الافتراضي هو التقنية التي تخدع حاستي الرؤية المجسّمة والسمع. لكن الدراسة لم تفصل بين أثر التأمل وأثر الواقع الافتراضي، ويعمل الفريق على دراسة متابعة بلا تأمل لاختبار ذلك، ولم تُنشر نتائجها بعد.

كذلك لم تذكر المصادر متابعة طويلة تبيّن هل يستمر التحسن بعد انتهاء التدريب. لذلك فهذه الدراسة دليل مبدئي يحتاج إلى تكرار، وليست دليلاً على وصفة تعمل مع كل شخص.

الكوابيس والصحة النفسية: ماذا تقول المراجعات

لا يتعلق الاهتمام بالحلم الواعي بالمتعة وحدها. قال عالم الأعصاب دانيال موريس لـ Live Science، كما نقلته تغطية Yahoo: «Lucid dreaming can benefit people with nightmares by allowing them to transform their nightmares into positive dreams»، أي أن الحلم الواعي قد يفيد من يعانون الكوابيس بتحويلها إلى أحلام إيجابية. ويجب التنبيه إلى أن موريس لم يشارك في الدراسة، فكلامه تعليق عام وليس نتيجة تجريبية من هذه الورقة.

دفتر أحلام مفتوح على سرير بجوار كوب ماء وقناع نوم في ضوء صباحي هادئ
تدوين الأحلام عادة بسيطة يبدأ بها كثيرون قبل أي تجربة أوسع مع الحلم الواعي.

أما المراجعة الأوسع فقد نشرها Medical Xpress في فبراير 2026، وجمعت 38 دراسة، وخلصت إلى أن الحلم الواعي قد يساعد في تقليل الكوابيس وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، مع الحاجة إلى مزيد من البحث قبل تطبيقه سريرياً. وهناك تجربة سريرية مسجلة برقم NCT07217340 تطوّر برنامجاً للصحة النفسية يجمع التأمل والحلم الواعي والواقع الافتراضي ومراقبة النوم في المنزل، وهي ما زالت في طور التطوير والاختبار، ولا نتائج نهائية لها بحسب سجل ClinicalTrials.gov.

إذا تكررت الكوابيس عندك حتى صارت تقطع نومك أو تؤثر في نهارك، فالأفضل أن تستشير طبيباً، ولا تعتمد على تجربة شخصية أو على تطبيق لم يثبت بعد. وإن ارتبطت الأحلام بتجربة صادمة، فقد تناولنا في مقال آخر ما تقوله الأبحاث عن الأحلام أثناء التخدير وعلاقتها بالصدمة.

خطوات عملية مع تحفظ واضح

لا يوجد تطبيق متاح للجمهور حتى الآن، فتطبيق LucidDreamingVR غير متاح للعامة بحسب الموقع الرسمي للمشروع، ولذلك لا توجد خطوات رسمية تنسبها الدراسة إلى القارئ. يمكنك مع ذلك الاستفادة من الممارسات التي تقوم عليها الفكرة، مع إدراك أنها تمارين مستمدة من البحث وليست توصية طبية، ولم تثبت فعاليتها خارج المختبر:

  1. دوّن ما تتذكره من حلمك فور الاستيقاظ، قبل أن يتلاشى. تفصّل هذه العادة مقالة تدوين الأحلام فور الاستيقاظ: كيف تتذكر أحلامك قبل أن تختفي؟.
  2. لاحظ الأشياء غير المنطقية في حلمك، فهذه المشاهد الغريبة هي ما تركز عليه تمارين الدراسة.
  3. جرّب فحص الواقع في يومك بطريقة ثابتة، مثل النظر إلى الساعة أو قراءة نص مرتين، ولاحظ هل يغيّر ذلك شيئاً في أحلامك دون أن تتوقع نتيجة سريعة.

إذا سبّب الحلم قلقاً مستمراً أو اضطراباً في نومك، فلا تحاول التحكم فيه بمفردك، واطلب تقييماً من مختص.

ماذا يبقى مفتوحاً

تطرح الدراسة أسئلة لم تحسمها بعد. أولها هل يبقى التحسن قائماً بعد انتهاء التدريب. وثانيها ما الأثر الفعلي لكل عنصر من عناصر البرنامج. وثالثها هل يفيد الحلم الواعي في علاج الكوابيس أو اضطراب ما بعد الصدمة في الممارسة السريرية، وهذا ما تحاول التجربة المسجلة الإجابة عنه.

إذا كنت تتابع هذا الموضوع، فالخطوة الأنفع أن تقرأ الورقة الأصلية وتتحقق من أرقامها قبل نقلها، وأن تنتظر نتائج الدراسة المتابعة التي تعمل عليها الفريق، فهي وحدها ستحسم هل كان التأمل ضرورياً، أم أن الواقع الافتراضي وحده كافٍ.