تشير دراسة جديدة إلى أن طريقة وصف الإنسان لأحلامه قد تحمل مؤشرات مرتبطة بصحته النفسية، وأن هذه المؤشرات تظهر في بنية الكلام أكثر مما تظهر في موضوع الحلم نفسه. نُشرت الدراسة في مجلة Communications Psychology خلال أكتوبر 2026، وهي تفتح زاوية مختلفة عن المقالات السابقة في طماطم حول الأحلام المزعجة وتدوين الأحلام. الفكرة بحثية وليست أداة تشخيص، ولهذا يهم فهم حدودها قبل أن تستنتج شيئًا عن نفسك أو عن من تحب.
هل تكشف طريقة وصف الحلم عن الاكتئاب والقلق؟
وجد الباحثون أن انخفاض التنوع المعجمي في تقارير الأحلام يرتبط بأعراض الاكتئاب، بينما يرتبط المقياس نفسه في تقارير شرود الذهن بأعراض القلق. والتنوع المعجمي يشير إلى مدى تنوع الكلمات المستخدمة في الوصف، وهو المقياس الذي تسمّيه الدراسة «مركزية الكلمات». لذلك يجب أن نفهمه مؤشرًا على طريقة استخدام اللغة في الوصف، لا حكمًا على الشخص نفسه.
ومن المهم أن نلاحظ أن الدراسة لم تقل إن الحلم يسبب الاكتئاب أو القلق، ولم تقل إن قراءة دفتر أحلامك تكشف حالتك النفسية. هي ترصد علاقة إحصائية بين نمط لغوي ونمط أعراض في عينة محددة.
كيف حلّل الباحثون كلمات تقارير الأحلام؟
اعتمد الفريق على أسلوب رياضي يُعرف بنظرية الرسوم البيانية (graph theory). في هذا الأسلوب تُعامل كل كلمة كنقطة، ثم تُربط الكلمات التي تظهر بجانب بعضها في النص. تخيّل وصفًا بسيطًا مثل: «رأيت كلبًا يركض في الشارع ثم ركضت خلفه». ستصبح كلمات مثل «رأيت» و«كلبًا» و«يركض» نقاطًا، وتتشكل بينها روابط تعكس ترتيبها داخل الجملة. بعد ذلك يقيس التحليل شكل هذه الشبكة: كم مرة تتكرر الكلمات، وكم ترتبط ببعضها، وكيف تتوزع الروابط.
والمهم أن هذا التحليل ينظر إلى بنية اللغة لا إلى موضوع الحلم وحده. فالحلم عن الطيران والحلم عن العمل قد يختلفان في المضمون، لكنهما قد يتشابهان في طريقة ترابط الكلمات داخل الوصف. لهذا يمكن لهذا النوع من التحليل أن يرصد ملامح لا تظهر حين نسأل فقط: ماذا رأيت؟
قارن الباحثون بين نوعين من التقارير: تقارير الأحلام التي سُجّلت صباحًا فور الاستيقاظ، وتقارير شرود الذهن التي سُجّلت مساءً. وكان من أبرز ما وجدوه أن تقارير الأحلام تحتوي تكرارًا أكبر للكلمات وبنية أكثر ترابطًا، بينما كانت تقارير شرود الذهن أقل تكرارًا وأكثر إسهابًا.
| نوع التقرير | وقت التسجيل | أبرز ما وجدته الدراسة في البنية اللغوية | الارتباط الذي ذُكر |
|---|---|---|---|
| تقارير الأحلام | صباحًا فور الاستيقاظ | تكرار أكبر للكلمات وبنية أكثر ترابطًا | انخفاض التنوع المعجمي مرتبط بأعراض الاكتئاب |
| تقارير شرود الذهن | مساءً | تكرار أقل وإسهاب أكبر | انخفاض التنوع المعجمي مرتبط بأعراض القلق |
إذا أردت أن تبدأ بتدوين أحلامك بطريقة منظمة، فقد شرحنا الخطوات العملية في مقال تدوين الأحلام فور الاستيقاظ: كيف تتذكر أحلامك قبل أن تختفي؟
من شارك في الدراسة ومتى جُمعت البيانات؟
شملت الدراسة 176 شخصًا قدّموا 1,434 تقريرًا عن أحلامهم و1,619 تقريرًا عن شرود الذهن، أي ما مجموعه 3,053 تقريرًا. قبل بدء التسجيل ملأ المشاركون استبيانين معروفين في الأبحاث النفسية: PHQ-9 لقياس أعراض الاكتئاب، وGAD-7 لقياس أعراض القلق. ثم سجّلوا تقاريرهم على مدى أسبوعين، فكانوا يكتبون تقرير الحلم صباح كل يوم فور الاستيقاظ، وتقرير شرود الذهن مساء كل يوم.
جُمعت البيانات من مشاركين في بريطانيا وأستراليا عبر منصة إلكترونية. وشارك في العمل باحثون من جامعة كامبريدج وجامعة ستانفورد وجامعة توركو ومؤسسات أخرى. وقد نشرت وكالة Medical Xpress تقريرًا عن الدراسة بتاريخ 20 أكتوبر 2026، وتحمل النسخة المنشورة معرّف DOI هو 10.1038/s44271-026-00509-5 (Medical Xpress).
وهناك نسخة أولية نُشرت عام 2025 بأعداد مختلفة للأشخاص والتقارير. لذلك نعتمد هنا على النسخة المنشورة في المجلة فقط، ولا ينبغي خلط الأرقام بين النسختين عند الاستشهاد.
أما اللغة فتحتاج إلى حذر. لم نتمكن من التحقق من اللغة التي كتب بها المشاركون تقاريرهم، ولا من أن الطريقة تعمل بالكفاءة نفسها مع الأحلام المكتوبة بالعربية. كما تتركز العينة في بريطانيا وأستراليا، فلا نعرف بعد إن كانت النتائج تنطبق على القارئ في السعودية أو الخليج.
ما الذي تعنيه الارتباطات وما الذي لا تعنيه؟
الارتباط يعني أن شيئين يظهران معًا في البيانات، لا أن أحدهما يسبب الآخر. وقد أكّد الباحثون هذا الفرق بأنفسهم، إذ قالوا إن الارتباط لا يثبت علاقة سببية بين الأحلام ونتائج الصحة النفسية. كما قالوا إن النتائج لا تُظهر أن تحليل هذه التقارير يصلح لتشخيص أي حالة نفسية، وإن الدراسات المستقبلية تحتاج أن تختبر قيمتها في التشخيص والعلاج.
معنى ذلك عمليًا أن الكلمات التي تستخدمها في وصف حلمك ليست دليلًا على حالتك النفسية. وإذا لاحظت تكرارًا في كلماتك، فلا تبدأ بتشخيص نفسك. دوّن الملاحظة وراقبها مع مزاجك ونومك، وناقشها مع مختص إن لزم الأمر.
وتختلف هذه الدراسة أيضًا عن أبحاث سابقة. فقد استخدمت دراسة نُشرت في Scientific Reports عام 2014 التحليل الرسومي نفسه على تقارير أحلام جُمعت من مقابلات سريرية مع مرضى نفسيين، في سياق أبحاث الذهان (Scientific Reports). أما الدراسة الجديدة فتعتمد على تقارير يومية يسجّلها أشخاص غير سريريين في حياتهم العادية. هذا يجعلها أقرب إلى الحياة اليومية، لكنه لا يجعلها أداة سريرية.
ولا ينبغي خلط هذه الدراسة بدراسة جامعة كاتانيا عن القلق والأحلام السلبية التي غطّاها طماطم سابقًا، فالبحثان يسألان أسئلة مختلفة ويقيسان أشياء مختلفة.
كيف تجرب تدوين أحلامك وأفكارك بطريقة قريبة من الدراسة؟
الدراسة نفسها لا تقدم إجراءً علاجيًا ولا خطوات رسمية للعامة، لكن بروتوكولها العملي يصلح لتجربة شخصية بسيطة. الفكرة الأساسية أن تسجّل ما تتذكره من حلمك فور الاستيقاظ، وأن تسجّل أفكارك المتشتتة في المساء. وإليك طريقة منظمة:

- ضع دفترًا أو تطبيقًا لتدوين الملاحظات على طاولة السرير، وأبقه في متناول يدك.
- عند الاستيقاظ، اكتب ما تتذكره من حلمك خلال دقائق قليلة، حتى لو كان مجرد مشهد أو كلمة واحدة. لا تُحسّن الصياغة ولا تفسّر المعنى الآن.
- في المساء، اكتب ما لا يقل عن خمسة أسطر عن الأفكار التي شردت إليها خلال يومك دون مهمة محددة.
- كرّر ذلك يوميًا لمدة أسبوعين، واكتب التاريخ والوقت بجانب كل تقرير.
- بعد الأسبوعين، اقرأ ما كتبته وانتبه إلى الكلمات التي تكررها كثيرًا، وقارنها بملاحظاتك عن مزاجك ونومك.
اعتبر هذه التجربة مراقبة شخصية لا فحصًا صحيًا. فالاستبيانات مثل PHQ-9 وGAD-7 أدوات تُستخدم في الأبحاث والعيادات، ويُفضّل أن تُفسَّر نتائجها مع مختص إن أردت استخدامها. وإذا لاحظت أن ما تدوّنه يدور حول الحزن أو الخوف لفترة طويلة، فهذه ملاحظة تستحق أن تطرحها على طبيبك، لا أن تحكم بها على نفسك.
متى تستشير الطبيب بشأن الأحلام المزعجة؟
لا يحتاج كل حلم مزعج إلى زيارة طبيب، فالأحلام المزعجة العابرة شائعة عند كثيرين. لكن راجع الطبيب إذا استمر الحزن أو فقدان الاهتمام بالأشياء لفترة تتجاوز أسبوعين، أو إذا لاحظت قلقًا يصعب السيطرة عليه ويؤثر في عملك أو دراستك أو علاقاتك، أو إذا تكررت الكوابيس لأسابيع حتى صرت تخشى النوم. وإذا راودتك أفكار عن إيذاء نفسك، فلا تنتظر، وتواصل فورًا مع خدمات الطوارئ في بلدك أو مع شخص تثق به.
وإذا كانت الكوابيس تتكرر، فقد تفيدك قراءة ما تقوله دراسة من لندن عن الكوابيس المتكررة، ولمعرفة المزيد عن الأحلام في مراحل النوم يمكنك قراءة مرحلة الأحلام في النوم وما تقوله دراسة الـ83 مرضًا.
ما الذي ينتظره الباحثون بعد هذه النتائج؟
الأسئلة المفتوحة واضحة: هل تصلح هذه التحليلات للتشخيص فعلًا؟ هل تساعد في متابعة العلاج؟ وهل العلاقة بين البنية اللغوية والأعراض تسير في الاتجاه الذي تبدو عليه؟ ويحتاج الجواب عن هذه الأسئلة إلى دراسات لاحقة، وإلى عينات أكثر تنوعًا بلغات وثقافات مختلفة، بما فيها العربية.
ويتزايد الاهتمام العام بأبحاث الأحلام بوجه عام، إذ وصفت NPR عودة الاهتمام بهذا المجال، وتناولت حضانة الحلم بوصفها مجالًا جديدًا (NPR). ويمكنك قراءة حضانة الحلم: كيف تسأل نومك عن حل مشكلة وماذا تقول الأبحاث؟ لفهم الفكرة من منظور طماطم.
العملي الآن أن تعامل دفتر الأحلام أداة لملاحظة نفسك، لا جهازًا للتشخيص. إذا بدأت تسجيل أحلامك هذا الأسبوع، فستحصل على بيانات شخصية تنفعك في حوارك مع طبيبك أكثر من أي تفسير جاهز.







