الأحلام أثناء التخدير ظاهرة يصفها بعض المرضى عند الإفاقة من البنج، وقد تحولت إلى سؤال بحثي: هل يمكن أن تساعد على معالجة الخوف وأعراض الصدمة؟ الجواب المختصر أن ذلك لم يثبت بعد. الأدلة الحالية تقوم على تقارير حالات ودراسات صغيرة، ولا توجد توصية علاجية معتمدة حتى الآن.
عادت هذه القضية إلى الواجهة مع تغطية أعدتها NPR في 22 أكتوبر 2026، تناولت أبحاث طبيب التخدير هاريسون تشاو من جامعة ستانفورد. ولم تظهر، بحسب مراجعتنا للمصادر، نتيجة جديدة خلال الأيام السبعة الماضية، لذلك فهذا المقال قراءة في اتجاه بحثي قائم منذ عدة سنوات، لا في خبر عاجل.
الأحلام أثناء التخدير: ما الفرق بينها وبين أحلام النوم؟
أحلام التخدير تُروى غالبًا أثناء الإفاقة من الجراحة، لا خلال النوم العميق. وهذا يجعلها مختلفة عن الأحلام المعتادة التي تحدث في مراحل النوم الطبيعي، ومنها مرحلة حركة العين السريعة.
ويرى الخبير سام بارنيا، كما تنقل مجلة Psyche، أن كثيرًا من هذه التجارب قد تكون أقرب إلى الذكريات منها إلى الأحلام، لأنها تتكوّن أثناء وعي جزئي. ولهذا لا يتفق الباحثون على التسمية أصلًا، وهو خلاف مهم قبل الحديث عن أي فائدة.
لاحظ تشاو أن كثيرًا من المرضى يخرجون من التخدير وهم يتذكرون أحلامًا واضحة وسعيدة في الغالب، بحسب مقال منشور في AAMC. أما الأرقام الأحدث فجاءت من تقرير لـMedscape عن استطلاع أجراه فريق تشاو: من بين 452 مريضًا جرت مقابلتهم، أبلغ 69% منهم عن أحلام، وكانت 86% من تلك الأحلام إيجابية، ولم يُبلغ أحد عن أحلام «سلبية جدًا». وتجدر قراءة هذه الأرقام على أنها تقيس ما يتذكره المريض، لا ما يحدث في دماغه بدقة.
ماذا تقول أبحاث ستانفورد عن الأحلام أثناء الجراحة؟
الفكرة هنا أعمق من وصف أحلام المرضى: هل يمكن توجيه الدماغ أثناء التخدير إلى حالة تشبه الحلم، ثم استخدام هذه الحالة لمعالجة خوف أو ذكرى مؤلمة؟ يقول تشاو، بحسب Big Think، إن المسألة «ليست في الحقيقة مسألة بروبوفول، بل مسألة حالة دماغية». ويقول بوريس هيفتس، في المصدر نفسه، إن كثيرًا من أطباء التخدير يعدّون الظاهرة نتاجًا ثانويًا للجراحة لا معنى له.

يستخدم فريق ستانفورد مخطط كهربية الدماغ EEG لاستهداف حالة دماغية محددة أثناء التخدير، كما يصف مقال AAMC عمل الفريق. وتختلف هذه التجربة عن الحلم الواعي، وهو أن تدرك أنك تحلم وأنت نائم، وقد شرحناه في مقال الحلم الواعي: كيف تعرف أنك تحلم وهل يمكن التحكم بالحلم؟.
أشهر ما نُشر في هذا الباب تقرير حالات في المجلة الأمريكية للطب النفسي American Journal of Psychiatry، وصف مريضتين لديهما أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). انخفضت أعراضهما بسرعة بعد تحفيز الأحلام أثناء الجراحة بمساعدة EEG. وقد أوردت ستانفورد ميديسن أن أعراض الصدمة لدى المريضتين تراجعت، وكانت إحداهما أمًا فقدت ابنها.
لكن المؤلفين أنفسهم يصفون ذلك بأنه دليل أولي يبرر إجراء دراسة مفتوحة التصميم، أي دراسة يعرف فيها المشاركون والباحثون طبيعة التدخل. وهذا يعني أن الحالتين تفتحان بابًا للبحث، لكنهما لا تكفيان للحكم على فعالية العلاج.
هناك تجربة سريرية مسجلة في ClinicalTrials.gov بعنوان Induction of Dreaming With EEG and Anesthesia for Post-traumatic Stress Disorder، وهي مدرجة كتجربة قيد التوظيف في موقع واحد هو جامعة ستانفورد، ويقودها بوريس هيفتس باحثًا رئيسيًا. كما نُشرت في عام 2026 دراسة جدوى لبروتوكول متعدد المكونات لتشجيع الأحلام أثناء التخدير الجراحي في مجلة Anesthesiology، ومراجعة نطاقية عن الأحلام أثناء التخدير في British Journal of Anaesthesia. ولم تتوفر في المصادر المعتمدة نتائج نهائية منشورة لأي منهما حتى الآن.
الأحلام أثناء التخدير والصدمة: ما الذي ثبت وما الذي لم يثبت؟
قبل أن تبني أي توقع على هذه الأبحاث، من المفيد التمييز بين ما تدعمه الأدلة الحالية وما ما زال مفتوحًا.
ما الذي تدعمه الأدلة الحالية
- وجود تقارير حالات لمريضتين انخفضت أعراض الصدمة لديهما بعد التجربة، وهو دليل أولي.
- اهتمام بحثي جاد يتمثل في تجربة سريرية مسجلة، ودراسة جدوى ومراجعة نطاقية نُشرتا في 2026.
- أغلب الأحلام المُبلغ عنها في استطلاع فريق تشاو كانت إيجابية، بنسبة 86%، وإن كانت العينة ما زالت محدودة.
ما الذي لم يُحسم بعد
- هل يبقى التحسن في عينات أكبر؟ فالأدلة ما زالت تعتمد على تقارير حالات ودراسات صغيرة.
- هل الأحلام نفسها هي سبب التحسن؟ لم تحسم الدراسات الحالية هذا السؤال.
- يقول منتقدون، وبينهم خبراء نقلت عنهم تغطية مرتبطة بستانفورد، إن البحث في مراحله المبكرة ولا توجد دراسات واسعة النطاق بعد.
- هل نُشرت النتائج النهائية للتجارب الجارية؟ لم يتأكد ذلك في المصادر التي راجعناها.
لماذا تختلف نسب الإبلاغ عن الأحلام تحت البنج؟
ستجد أرقامًا متباينة. ذكرت Psyche دراسة من عام 2007 أن 22% من 300 شخص تذكروا أنهم حلموا أثناء الإفاقة من التخدير. ونقل The Microdose عن دراسة للباحثة كيت ليسلي أن نحو 22% من نحو 350 مريضًا أبلغوا عن أحلام. في المقابل، يقول تشاو إنه رأى في ممارسته نسبًا قريبة من 50%، وهو فارق واضح عن الأرقام المنشورة.
وتشير Psyche أيضًا إلى أن فريق تشاو أجرى نحو 625 استطلاعًا للأحلام تمثل نحو 500 مريض. والنتيجة أن الأرقام تتراوح بين نحو 22% ونحو 50%، مع نسبة 69% في استطلاع Medscape، وهذا التباين يرجّح أن سببه اختلاف طرق القياس وتعريف الحلم نفسه. لذلك لا ينبغي أن تعامل أي نسبة على أنها رقم نهائي.
كيف تتذكر ما رأيته في الحلم بعد الاستيقاظ؟
أي متابعة لهذا الموضوع تعتمد على تذكّر ما حدث، وهنا تبرز مشكلة عملية. يقول تشاو، في حديثه لـ NPR، إن أمامك نحو ثلاث إلى خمس دقائق لتتذكر الحلم بعد الاستيقاظ. هذه النافذة القصيرة تجعل التدوين الفوري خطوة مهمة لمن يريد متابعة أحلامه.
إن أردت ذلك، فاتبع خطوات مقال تدوين الأحلام فور الاستيقاظ. أما حضانة الحلم، أي توجيه النوم نحو سؤال محدد قبل النوم، فقد شرحها مقال حضانة الحلم: كيف تسأل نومك عن حل مشكلة وماذا تقول الأبحاث؟، وهي ليست الظاهرة نفسها التي تحدث أثناء التخدير.
ماذا تفعل إذا كنت تعاني أعراض صدمة أو كوابيس متكررة؟
لا توجد حتى الآن توصية علاجية رسمية تعتمد الأحلام أثناء التخدير، وما هو متاح تجارب بحثية ما زالت تحت الدراسة. ولم يرد في المصادر التي اعتمدنا عليها أي توجيه سعودي أو خليجي بشأن هذا الموضوع.
إذا استمرت أعراض الصدمة، أو أثّرت في نومك وعملك وعلاقاتك، فاستشر طبيبًا أو أخصائيًا نفسيًا مؤهلًا. لا تعتمد على تجربة بحثية أو مقال أو تطبيق بديلًا عن التقييم الطبي.
وإن كنت تبحث عن تجربة سريرية، فاقرأ صفحتها الرسمية على ClinicalTrials.gov، وتحقق من شروط المشاركة وبيانات التواصل المعتمدة فيها قبل أي خطوة. وإن كنت مقبلًا على عملية جراحية وتقلقك أحلام الإفاقة أو الذكريات التي قد تعود بعدها، فاسأل فريق التخدير عن كل ما يتعلق بالإفاقة والمتابعة، وشاركهم ما تشعر به. أما على مستوى البحث، فالسؤال التالي واضح: هل تصمد النتائج في عينات أكبر وتحت شروط مستقلة؟ هذا ما تحتاج إليه الإجابة قبل أن تتحول الفكرة إلى علاج.







