سؤال بسيط يطرحه كثيرون: هل يحلم المصابون بالأفانتازيا؟ الجواب المختصر: نعم، كثير منهم يرون صورًا في أحلامهم، رغم أنهم لا يستطيعون استحضار الصور بإرادتهم أثناء اليقظة. هذا ما تخلص إليه دراسة نُشرت في مجلة Scientific Reports، وتصدّرت تغطيتها الإعلامية الأيام الأخيرة. لكن النسبة ليست واحدة عند الجميع، وبعض المشاركين لا يرون شيئًا في أحلامهم أبدًا.

ما هي الأفانتازيا؟

الأفانتازيا (Aphantasia) مصطلح يصف عجز الشخص عن تكوين الصور الذهنية بإرادته. قد تحاول أن تتخيل وجه أمك أو شكل مفتاح بيتك، فلا تجد أمامك إلا فراغًا أو معلومة مجردة بلا صورة.

وتوضح مادة مبسطة من موقع Horus Valley أن المصطلح يصف الطريقة التي يختبر بها الشخص صوره الذهنية، وأنه ليس تشخيصًا لمرض بحد ذاته.

ويُنسب المصطلح إلى العالم العصبي آدم زيمان، الذي اقترحه في دراسة عام 2015، بحسب مقالة من موقع Arabic Post. وتصف بعض المقالات العربية القديمة الحالة بأنها «مرض»، وهو وصف لا تدعمه المادة المبسطة التي اعتمدنا عليها، لذلك يحسن الحديث عنها بوصفها اختلافًا في طريقة التفكير البصري.

ماذا وجدت الدراسة الجديدة؟

قادت الدراسة باحثون من جامعة كوينزلاند الأسترالية وجامعة بون الألمانية، ونُشرت في مجلة Scientific Reports. ويقول اثنان من باحثي كوينزلاند إن لديهما الأفانتازيا منذ حياتهما كلها.

غرفة نوم هادئة عند الفجر، فيها دفتر وقلم على الطاولة بجوار السرير
دفتر صغير بجوار السرير يساعد على تدوين ما تتذكره من الحلم فور الاستيقاظ.

قارنت الدراسة 84 شخصًا من أصحاب الأفانتازيا البصرية بـ121 شخصًا في مجموعة مقارنة. وكانت أبرز النتائج أن 46% من أصحاب الأفانتازيا البصرية قالوا إن لديهم تجارب بصرية في أحلامهم دائمًا، بينما قال نحو 8% إنهم لا يرونها أبدًا، وفق تغطية NatureWorldNews.

ولم تجد الدراسة دليلًا على أن قوة التخيل البصري في اليقظة ترافقها أحلام بصرية أكثر تكرارًا داخل مجموعة الأفانتازيا. وهذا يعني أن قدرتك على استحضار صورة وأنت مستيقظ لا تكفي وحدها للتنبؤ بما تراه في نومك.

كما كان أفراد مجموعة الأفانتازيا أكثر ميلًا لاختيار «غير متأكد» حين سُئلوا عن حدوث بعض الأحاسيس في أحلامهم، بحسب تغطية Yahoo News.

هل يحلم المصابون بالأفانتازيا فعلًا؟ ما تقوله الأرقام

نعم، بحسب الدراسة، فكثير منهم يحلمون بصور. لكن الأرقام تحتاج إلى قراءة دقيقة، لأنها تأتي من دراسات ومصادر مختلفة. يوضح الجدول التالي أبرزها:

المصدر الرقم ما يعنيه
دراسة Scientific Reports الجديدة 46% قالوا إن لديهم تجارب بصرية في أحلامهم دائمًا، و8% قالوا إنهم لا يرونها أبدًا داخل مجموعة أصحاب الأفانتازيا البصرية
تقدير زيمان وزملائه نحو 63% من أصحاب الأفانتازيا البصرية يصفون أحلامًا بصرية يتوافق مع النمط الذي تُظهره الدراسة الجديدة
ملخص موقع aphantasie.org 63.4% من أصحاب الأفانتازيا مقابل 89% من مجموعة المقارنة يُستشهد به هنا كملخص لأبحاث سابقة

وينبغي ألا تقارن بين هذه الأرقام كأنها قياس واحد، فالمنهجيات والمجموعات ليست متطابقة.

وتوجد دراسة سابقة من عام 2020 شملت أكثر من 250 شخصًا ممن عرّفوا أنفسهم بالأفانتازيا، ووجدت أنهم يذكرون أحلامًا أقل عددًا وأقل وضوحًا من أصحاب الصور الذهنية المعتادة. وينسب موقع Neuroscience News هذه النتيجة إلى دراسة قادها داوز وزملاؤه.

وقال فريق Future Minds Lab، الذي كتب دراسة سابقة عن الأفانتازيا، إن أصحابها يذكرون أحلامًا ليلية أقل تكرارًا وأقل بصرية، لكن الأغلبية الكبيرة منهم ما زالت تحلم.

حدود الدراسة: ما الذي لم تثبته بعد؟

قبل أن تبني على هذه النتائج أي استنتاج شخصي، تحتاج إلى معرفة حدودها:

  • لم تقس الدراسة نشاط الدماغ، لذلك لا نعرف الآلية التي تجعل بعض الناس يرون صورًا في النوم دون اليقظة.
  • تعتمد الدراسة على وصف المشاركين لأحلامهم وتذكّرهم لها، والذاكرة للأحلام هشة وقد تتغير مع التذكر.
  • بدأت الدراسة بـ262 شخصًا، لكن التحليل المنشور يتضمن 84 و121 فقط، أي 205 مشاركين. لم تشرح المصادر التي قرأناها سبب الفرق، ويُنصح بمراجعة الورقة الكاملة قبل الاستشهاد بالأرقام.
  • الجديد هو موجة التغطية الإعلامية لا تاريخ النشر. فقد أشارت مقالة Psychology Today المؤرخة بأغسطس 2026 إلى أن الدراسة صدرت قبل أسابيع منها.
  • الأرقام القديمة عن انتشار الأفانتازيا تقريبية، فمقالة عربية من 2021 تذكر تقديرًا يتراوح بين 2.1% و2.7% من السكان، وتشير إلى أنه لم يأتِ من دراسات واسعة النطاق.

ولمتابعة الأبحاث الحديثة عن الأحلام والوعي أثناء النوم، يمكنك قراءة مقال دراسة ترينتو الجديدة عن الحلم الواعي والواقع الافتراضي.

كيف تلاحظ تجربتك الخاصة في الحلم؟

الدراسة لا تقدم اختبارًا تشخيصيًا، لكن يمكنك أن تلاحظ تجربتك بهدوء لبضعة أيام:

  1. اختبر تخيلك قبل النوم: استحضر شكل شيء مألوف مثل فنجان قهوتك الصباحي، ولاحظ هل تأتيك صورة واضحة، أم فكرة مجردة، أم لا شيء.
  2. عند الاستيقاظ، لا تتحرك كثيرًا، واسأل نفسك: هل تذكرت صورًا، أم أصواتًا، أم مشاعر فقط؟
  3. دوّن ما تتذكره فورًا، لأن الأحلام تتلاشى بسرعة. وقد شرحنا ذلك في مقال تدوين الأحلام فور الاستيقاظ: كيف تتذكر أحلامك قبل أن تختفي؟
  4. إن أردت معرفة هل تحلم وأنت نائم أصلًا، فقد وضّحنا ذلك في مقال الحلم الواعي: كيف تعرف أنك تحلم وهل يمكن التحكم بالحلم؟

ومن المفيد أن تعرف أن الباحثين يقترحون في دراسات مستقبلية إيقاظ المشاركين فور الحلم وسؤالهم عما تذكروه، وهذا الاقتراح يعكس إدراكهم لمشكلة الاعتماد على التذكر المتأخر، بحسب ScienceAlert.

إذا صاحب ذلك اضطراب في النوم، أو قلق يتكرر، أو ضيق يؤثر في يومك، فاستشر طبيبك. ولا تتضمن المصادر التي قرأناها إجراءات علاجية مرتبطة بهذا الموضوع، ولا ينبغي أن يُفهم من هذا المقال أن هناك علاجًا معتمدًا للأفانتازيا.

الحلم العلمي والتأويل: خطان منفصلان

هذه الدراسة تصف الحلم علميًا، فتسأل: هل يرى الشخص صورًا؟ وكيف يتذكرها؟ ولا تربط هذه الصور بمعانٍ رمزية. أما تفسير الحلم بمعنى رمزي، فله مرجعيات ومدارس مختلفة، وهو باب آخر لا تحسمه هذه الدراسة.

فإن كنت تبحث عن معنى رؤيا رأيتها، فقد تناولنا جانبًا من هذا الباب في مقال معنى حديث «الرؤيا جزء من النبوة» وما يعنيه للمسلم حين يرى رؤيا صالحة.

والمعلومة العملية في هذا الخبر أن غياب الصور في الحلم أو حضورها ليس مقياسًا محددًا عن الشخص. فالتنوع في تجربة الحلم واسع، ولا تكشف الدراسة أن غياب الصور يعني أمرًا بعينه. وإن أردت أن تفهم أحلامك بدقة أكبر، فابدأ بتدوينها أسبوعين، وانتبه لما يتكرر فيها من أصوات ومشاعر وأماكن.