الكلام أثناء النوم ظاهرة معروفة، وغالبًا ما تكون غير ضارة. يحدث في مراحل مختلفة من النوم وليس في الأحلام وحدها، ولم نجد في الأبحاث المتاحة دليلًا على أنه يكشف أسرارك أو يعكس أحلامك بدقة. في هذا المقال نشرح ما تقوله الدراسات، ومتى يكون الأمر مدعاة لمراجعة الطبيب.
ما هو الكلام أثناء النوم ولماذا يحدث؟
يُعرف الكلام أثناء النوم علميًا باسم somniloquy، وهو أن يتكلم الشخص بكلمات أو جمل أو همهمات وهو نائم، دون أن يتذكر ذلك في الغالب. ويُصنّف ضمن الاضطرابات السلوكية أثناء النوم (parasomnia)، وهو عادةً حميد، أي لا يدل بذاته على مرض خطير Ro.
يحدث الكلام غالبًا في نوم NREM العميق أو خلال استيقاظات قصيرة منه، بحسب Wikipedia. أما Healthline فيشير إلى أن الكلام في مرحلتي النوم الخفيف الأولى والثانية يكون أسهل في الفهم. لذلك لا يمكن ربطه بمرحلة واحدة من النوم.
وغالبًا ما يكون شريك الفراش أول من يلاحظ الكلام، لأن الشخص نفسه لا يتذكره عادةً.
ماذا تقول الدراسة التي أعادت الجدل؟
في 18 أكتوبر 2026 نشر موقع عربي تقريرًا عن دراسة حول الكلام أثناء النوم، فعاد الموضوع إلى التداول cairo24. لكن الدراسة نفسها نُشرت عام 2017، وليست بحثًا جديدًا. وبحسب التقرير العربي، نُشرت في مجلة Sleep، وقادتها الدكتورة إيزابيل أرنولف من وحدة اضطرابات النوم في مستشفى بيتيه سالبتريير في باريس.
لم نطّلع على ورقة البحث الأصلية، ولا على التغطية التي استند إليها التقرير العربي، لذلك تُنسب الأرقام التالية إلى التغطيات الثانوية. وقد تناولت وسائل عربية الدراسة نفسها في أعوام سابقة، منها تقرير منشور في 2023.
شملت الدراسة 232 بالغًا، لكن معظمهم لم يكونوا من الأصحاء:
- 129 شخصًا يعانون اضطراب سلوك النوم المرتبط بحركة العين السريعة (REM sleep behavior disorder)
- 87 شخصًا يعانون المشي أثناء النوم أو الفزع الليلي
- شخص واحد يعاني توقف التنفس أثناء النوم
- 15 شخصًا لا يعانون أي اضطراب في النوم
هذا يحدّ من إمكانية تعميم النتائج على عامة الناس، فالصورة هنا أقرب إلى مرضى النوم منها إلى الأشخاص الأصحاء. سُجّل المشاركون لليلتين بتسجيل الفيديو مع قياسات النوم المتعددة (video polysomnography)، وأُحصيت 883 نوبة كلام تضمنت 3,349 كلمة مفهومة.
وفق Medical News Today، كانت كلمة no بالإنجليزية أي «لا» الأكثر تكرارًا، وظهرت نحو أربع مرات أكثر أثناء النوم منها أثناء اليقظة. كما ذكرت تغطيات الدراسة، ومنها Earth.com، أن الشتائم كانت أكثر شيوعًا عند الرجال، وأن الرجال يتكلمون أثناء نومهم أكثر من النساء.
أما نسب الشتائم فتختلف بين التغطيات. فقد ذكرت Medical News Today أن قرابة 10% من نوبات الكلام تضمنت شتائم، بينما ذكرت Arab News أن نحو 24% من الكلام كان سلبيًا، و22% منه يتضمن ألفاظًا بذيئة. والسبب أن المصدرين يصفان المقاييس بطريقتين مختلفتين، لذلك لا تعتمد على رقم واحد دون الرجوع إلى ورقة الدراسة الأصلية.
وقالت الدكتورة أرنولف لـArab News، في ترجمة عربية للاقتباس: «الفروق نوعية: الكلام الليلي سلبي ومتوتر وأكثر بذاءة، وموجَّه إلى شخص آخر لا إلى النفس».
هل يكشف الكلام أثناء النوم أسرارك وأحلامك؟
الفكرة المنتشرة أن ما تقوله في نومك يعبّر عمّا تخفيه في داخلك. لكن الأبحاث المتاحة لا تقدّم دليلًا على أن الكلام أثناء النوم يكشف أسرارك أو يعكس أحلامك بدقة. ما وجدته دراسة 2017 هو أن المحتوى غالبًا سلبي ومتوتر، وهذا وصف لنمط الكلام، وليس قراءةً لما يدور في نفسك.

أما الصلة بالأحلام فغير مباشرة. يمكن أن يحدث الكلام في نوم حركة العين السريعة (REM)، وهي المرحلة المرتبطة عادةً بالأحلام الأوضح، لكنه يحدث كذلك في مراحل أخرى. لمعرفة المزيد عن الأحلام وقدرة بعض الأشخاص على إدراك أنهم يحلمون، اقرأ مقالنا عن الحلم الواعي: كيف تعرف أنك تحلم وهل يمكن التحكم بالحلم؟
هل الكلام أثناء النوم خطير؟
في أغلب الحالات لا يكون الكلام أثناء النوم خطيرًا. قارنت دراسة نُشرت عام 2022 بين 29 شخصًا يتكلمون أثناء النوم و30 شخصًا من مجموعة مقارنة، أعمارهم بين 18 و35 عامًا. أبلغ المتكلمون أثناء النوم عن جودة نوم أسوأ، وارتبطت أصواتهم بتقطّع النوم وبانخفاض الشدة العاطفية للأحلام، وخلص أصحاب الدراسة إلى أن الظاهرة حميدة.
في المقابل، وجدت دراسة صينية طويلة المدى نُشرت في 2024 ضمن دراسة كايلوان (Kailuan Study) أن الأشخاص الذين يتكلمون أثناء النوم كانوا أكثر عرضة لخطر السكتة الدماغية. شملت الدراسة 8,001 مشارك على مدى ثماني سنوات، وسُجّلت فيها 333 حالة سكتة، وبلغت نسبة الخطر المعدَّلة 1.30 وفق ما تنشره DOAJ.
هذه علاقة ارتباط، ولا تثبت أن الكلام أثناء النوم يسبب السكتة، ولا يُعرف بعد إن كانت العلاقة سببية. لذلك لا ينبغي أن تقلقك هذه النتيجة وحدها، لكنها تستحق أن تُؤخذ بجدية مع أي أعراض أخرى.
أما إذا كانت الكوابيس المتكررة تزعجك إلى جانب الكلام، فراجع مقالنا عن الكوابيس المتكررة وخطر الوفاة المبكرة.
متى تراجع الطبيب بسبب الكلام أثناء النوم؟
قد لا تحتاج إلى الطبيب إذا كان الكلام قليلًا، ولا يصاحبه شيء آخر، ولا يزعجك أو يزعج من حولك. لكن هناك علامات تستحق المراجعة. ينقل Ro عن الأكاديمية الأمريكية لطب النوم (American Academy of Sleep Medicine) ثلاث علامات تستدعي المراجعة:
- أن يبدأ الكلام فجأة في سن متأخرة
- أن يصبح أكثر تكرارًا
- أن يرتبط بالخوف أو الصراخ أو أفعال عنيفة
ويذكر Healthline أن من الأفضل مراجعة الطبيب إذا بدأ الكلام أثناء النوم لأول مرة بعد سن الخامسة والعشرين.
وهناك علامات أخرى تستحق الانتباه، منها:
- حركات عنيفة أثناء النوم، أو إصابات لك أو لشريكك
- توقفات في التنفس يلاحظها شريك الفراش
- نعاس شديد خلال النهار
وتصف ملخصات طبية متاحة للعموم، منها ملخص لـSleep Foundation، أن الكلام قد يقلّ مع تحسّن جودة النوم. وإذا استمر القلق، فقد يقترح الطبيب فحص النوم في مركز متخصص لمعرفة ما يحدث.
لم نجد توجيهًا رسميًا من وزارة الصحة السعودية حول هذا الموضوع. لذلك إذا كنت في السعودية وتشعر بالقلق، فاستشر طبيبًا مرخّصًا، أو راجع الموقع الرسمي لوزارة الصحة السعودية.
خطوات عملية إذا كان الكلام أثناء النوم يزعجك
- انتظم في مواعيد النوم والاستيقاظ، حتى في العطلات قدر الإمكان، فالنوم غير المنتظم يزيد تقطّع النوم.
- احتفظ بمذكرة نوم لمدة أسبوعين، تسجل فيها موعد النوم والاستيقاظ، وما يلاحظه شريكك من كلام أو حركات، وأي إرهاق في النهار.
- دوّن ما يُقال بعبارات قصيرة إن أمكن، فهذه المعلومة تفيد الطبيب أكثر من الوصف العام.
- راجع الطبيب أو مركز النوم إذا أظهرت المذكرة تكرارًا واضحًا أو علامات مما سبق.
إذا لاحظت الكلام أثناء النوم عند نفسك أو عند شريكك، فابدأ بالتدوين لأسبوعين. فإن ظهرت علامة من العلامات التي ذكرناها، فالخطوة التالية هي الطبيب، لا تفسير الكلام.







